-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

من داخل دولة اللصوص العراقية

يقدم موقع ”البصرة” ترجمة حرفية لمقال جريدة ”ذا نيويورك تايمز The New York Times” في عددها بتاريخ 29 تموز/يوليو 2020 حول درجة الفساد الذي وصل إليه الوضع في العراق الذي يُسميه بـ”دولة اللصوص”

يضع الكاتب بعض اللوم على الولايات المتحدة في دعم أنظمة الفساد في العراق.

يقول: قدمت الولايات المتحدة المليارات لأنظمة الفساد وهي تعلم أنها ستذهب إلى الميليشيات في الوقت الذي يتحفظ فيه موقع البصرة على كثير من المعلومات والمفاهيم التي وردت في المقال، خاصة ما يتعلق بالإساءة إلى النظام الوطني السابق، إلا أننا إخترنا أن نقدم ترجمة تكاد تكون حرفية للمقال، منطلقين من يقيننا أن العقل العربي قادر على التمييز بين الغث والسمين.. في الأسفل رابط المقال باللغة الإنكليزية

من داخل دولة اللصوص العراقية

شبكة البصرة

بقلم: روبرت ف. وورث Robert F. Worth

صحيفة ”ذا نيويورك تايمز The New York Times”

29 تموز/يوليو 2020

ترجمة: ماجد مكي الجميل

في أوائل تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أثناء عمله في مكتبه في بغداد، تلقى رجل أعمال يدعى، حسين لاقيس Hussein Laqees مكالمة هاتفية من رقم لم يره من قبل. قال المُتصل: “علينا أن نتحدث”. صوت الرجل كان فظاً وواثقاً من نفسه، مع قليلٍ من التهديد. طالب لاقيس أن يأتي لمقابلته لكنه رفض أن يذكر اسمه.

لاقيس رفض، وانتهت المكالمة. ربما كان سينسى تبادل الحديث بأكمله لو لم يتصل به زميل بعد بضع دقائق ليبلغه أخباراً مثيرة للقلق. قال له، إن المتصل الغامض كان من كتائب حزب الله، وهي ميليشيا عراقية قوية لها روابط متينة مع الحرس الثوري الإيراني. كان لديهم اقتراح يتعلق بأعمال تجارية لمناقشته.

وعندما إتصل رجل الميليشيا مرة أخرى، وافق لاقيس على مضض لعقد اجتماع. جمع بعض زملائه، وتوجهوا جميعاً إلى منزل قبالة شارع السعدون في وسط بغداد، ووصلوا مع حلول الظلام قريباً من الغسق. في الداخل، تم اقتياده إلى مكتب خافت الإضاءة وقُدِّم إلى رجل قصير أصلع الذي توجه إلى الموضوع مباشرةً. قال الرجل الأصلع: “عليك أن تعمل معنا، لا يوجد خيار آخر”. أضاف: “يمكنك الاحتفاظ بطاقم العمل الخاص بك، لكن يجب أن تفعل ما نقوله.” وأوضح أن كتائب حزب الله ستأخذ 20 في المائة من إجمالي إيرادات لاقيس – أي نحو 50 في المئة من أرباحه.

رفض لاقيس. وكانت شركته، بالم جيت Palm Jet، قد أبرمت عقداً حكومياً لمدة خمس سنوات لإدارة مبنى الشخصيات الرئيسية.V.I.P في مطار بغداد الدولي، علاوة إلى فندق قريب. كما أنه يعمل بشكل دوري مع شركات طيران غربية مثل لوكهيد مارتن. لم يكن بإمكانه إجراء أي تعامل مع جماعة مثل كتائب حزب الله، التي أدرجتها الحكومة الأمريكية كمنظمة إرهابية أجنبية (كما هو الحال مع الجماعة اللبنانية غير ذات الصلة التي تُـسمى أيضاً «حزب الله»). أجاب الرجل الأصلع أنه إذا رفض لاقيس، فإنه سيصادر كل ما يملكه في بغداد. نظر لاقيس إليه نظرة عدم التصديق. وقال “أنا مستثمر. هناك قانون”. رد الرجل الأصلع على هذه الصفعة: “نحن القانون”. وقال للاقيس أن يعطيه جواباً بحلول ظهر اليوم التالي.

بعد ظهر اليوم التالي، خمس سيارات شيفروليه طراز S.U.V.s توقفت خارج مبنى V.I.P. ترجل منها 12 رجلاً يرتدون ملابس شبه عسكرية سوداء ويحملون أسلحة. وجدوا لاقيس في مقهى فندق المطار، يدخن ويحتسي القهوة. كان في الليلة السابقة قد إتصل هاتفياً بجميع الجهات الحكومية الموجودة على قائمة هاتفه، إلى جانب رؤساء أقسام المطار. لم يتصل به أحد ثانيةً. كأن الأمر كما لو أنهم تلقوا تحذيراً – أو ربما دُفِعَ لهم ثمن سكوتهم. أخذ رجال الميليشيا هاتف لاقيس وأبلغوه أن يوقِّع على وثيقة تُلغي عقده. لقد ماطَلَ لبعض الوقت. أحد موظفيه تسلل إلى الخارج لالتقاط صورة بهاتفه المحمول لعربات رجال الميليشيا، لكنهم أمسكوا به وحطموا هاتفه وضربوه. كان لاقيس، وهو لبناني، يعمل في العراق منذ عام 2011. كان يعرف أن البلاد قد ضربت الجريمة والفساد كيانه، لكنه كان يعتقد أن المطار، وما فيه مئات من مسؤولي الأمن بالزي الرسمي، مختلف. قال لي لاقيس في وقت لاحق: “أنتظرتُ 20 دقيقة، قائلاً لنفسي، ربما سيأتي شخص ما. “الشرطة، شيء أو أي جهة أخرى.” أخيراً، سار إلى قاعة المغادرين واشترى بطاقة رحلة إلى دبي. بعد أيام، نصبت كتائب حزب الله مقاولها المفضل بدلاً منه. ولم يعد لاقيس إلى العراق منذ ذلك الحين.

جرت مداهمة المطار بعد أربعة أيام فقط من بدء الاحتجاجات العراقية المناهضة للحكومة، عندما كان آلاف المتظاهرين الشباب يتدفقون على شوارع بغداد ومدن أخرى، مرددين شعارهم المُميَّز والمُعبِّر في الصميم: ”نُريد وطن” “Nureed watan,”. سرعان ما استولى المتظاهرون على ميدان التحرير في قلب بغداد، نصبوا الخيام وقاتلوا معارك ضارية مع الشرطة. على الرغم من أن الفوضى أدت إلى توقف الكثير من الأعمال التجارية في المدينة ووضعت الحكومة في مأزق، إلا أنها كسبت أيضاً تعاطف العرب في جميع أنحاء المنطقة، مما أشعل حركة احتجاج قوية بنفس القدر في لبنان. ما يتعلق بأولئك الذين شاركوا في التجمعات، هم لا يعتبرون عناصر جماعات مثل كتائب حزب الله مجرد وكلاء إيرانيين. إنهم يعتبرونهم أحدث وجوه نظام الفساد ودولة اللصوص التي أثْـرَتْ نفسها على حساب شباب العراق، الذين تُـركوا عاطلين عن العمل ومُـعدَمين بأعداد متزايدة. في هذا الوقت بالذات، انضم بعض قادة الميليشيات إلى صفوف أغنى الرجال في العراق، واشتهروا بشراء المطاعم الراقية والملاهي الليلية والمزارع الفخمة المطلة على نهر دجلة.

لقد تم دعم ومساعدة الميليشيات وتحريضها من قبل طبقة سياسية عراقية جديدة أخلاقياتها الوحيدة هي الإثراء الذاتي. على مر السنين، أتقنت هذه العصابة عمليات الاحتيال على كل مستوى: نقاط التفتيش الدورية للإبتزاز، الاحتيال المصرفي، الاختلاس من كشوف الرواتب الحكومية. كان عادل عبد المهدي، الذي تم الترحيب به كمصلح محتمل عندما أصبح رئيس وزراء العراق في 2018، يأمل في إخضاع الميليشيات للدولة. لكن بدلاً من ذلك، هم الذين تفوقوا وتغلبوا عليه. ضمت حكومته أشخاصاً على صلة ببعض أسوأ مخططات الكسب غير المشروع التي تعاني منها البلاد.

إن الولايات المتحدة متورطة بعمق في كل هذا، ليس فقط لأن غزواتها المتسلسلة دمرت البلاد وساعدت في تدمير الاقتصاد. في الواقع، أميركا تقدم الأموال بشكل مستديم، حتى في الوقت الذي يغمز فيه المسؤولون الأمريكيون بشأن التعامل الذاتي مع الحلفاء العراقيين. ولا يزال المصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يزود العراق بما لا يقل عن 10 مليارات دولار سنوياً بالعملة الصعبة من مبيعات النفط في البلاد. يُنقل الكثير من ذلك إلى المصارف التجارية، ظاهرياً بدعوى الاستيراد، لكن هي في الواقع عملية اختطفتها منذ فترة طويلة عصابات غسل الأموال في العراق. في الوقت نفسه، تفرض الولايات المتحدة عقوبات عقابية على بلدين – إيران وسوريا – التي يشترك معهما العراق في حدود معروفة. إنها أرض خصبة للفساد.

ربما تكون إدارة ترامب قد صدمت الميليشيات العراقية بالاغتيال غير المتوقع لقاسم سليماني، رئيس جهاز التجسس الإيراني القوي في كانون الثاني/يناير، في مطار بغداد. لكن وكلاء إيران مثل كتائب «حزب الله» لا يبدون قلقين مِن هذاالأمر بشكل مفرط. هم يعرفون أن الرئيس ترامب ليس لديه القليل من الشجاعة للحرب، لا سيما في عهد كوفيد-19 الذي تميَّزَ بالعجز المتزايد للميزانية. تتمثل أولويتهم الكبرى في الحفاظ على نظام عراقي يكون فيه كل شيء للبيع، بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

لقد دفع وباء فيروس كورونا العراق الآن إلى حافة أزمة تتعلق بوجوده. لقد أدى الانهيار العالمي للطلب على النفط إلى انخفاض الأسعار إلى أدنى مستوياتها التاريخية، الأمر الذي جلب صدمة رهيبة لبلد يعتمد اقتصاده بشكل كامل تقريباً على عائدات النفط. لكن يمكن أن يوفر أيضاً لرئيس الوزراء العراقي الجديد، مصطفى الكاظمي، فرصة استثنائية لمواجهة أكثر المشاكل استعصاءً على البلاد. يمكن الآن وصف الفساد بأنه مسألة حياة أو موت: ينبغي على العراق أن يختار بين إطعام شعبه أو إثراء طبقة الفاسدين اللصوص. لقد وعد الكاظمي بمواجهة هذا التحدي. لكن من غير المرجح أن ينجح ما لم تغتنم الولايات المتحدة هذه الفرصة لإلغاء بعض الأضرار التي ألحقتها بالعراق، وأن تصنع قضية مشتركة مع المحتجين الذين يأملون في إعادة تأسيس بلادهم على أساس جديد.

في سجلات الدبلوماسية الأميركية، لطالما كان للفساد وضع مُلتبس: فقد أُستُـنْـكِـرَ علناً، لكن في الممارسة العملية غالباً ما يُنظر إليه على أنه يُمكن قبوله، بل حتى رذيلة مفيدة. لدى الولايات المتحدة تاريخ طويل في دعم الفاسدين واللصوص الذين كانوا على “الجانب الصحيح” من واحد إلى آخر من المتنافسين السياسيين. وقد غذى ثمن هذه الصفقات، التي غالبا ما تدفع بالدم، إعادة تقييم الأمور. لقد أبلغتني سارة شايس في أيار/مايو، قائلةً: “الفساد ليس مجرد مشكلة سياسية أساسية، بل هو المحرك الأهم لمعظم المشاكل الأمنية التي من المفترض أن نحاول معالجتها. يوثق كتاب شايس لعام 2015، “لصوص الدولة” “Thieves of State”، الآثار المدمرة للفساد في مجموعة من البلدان في أفريقيا وآسيا. نشأ الكتاب من تجاربها في أفغانستان، حيث عاشت لسنوات قبل أن تصبح مستشارة للبنتاغون، ورأت كيف ساعد الابتزاز المستشري والكسب غير المشروع للحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في دفع السكان المحليين إلى أحضان طالبان.

قد يكون العراق درسا أكثر حيوية. إلى وقت قريب في الثمانينيات، كان الفساد نادراً، وكانت الوزارات في حكومة صدام حسين الاستبدادية نظيفة في مُعظمها ومُدارة بشكل جيد. جاء هذا التغيير خلال التسعينات عندما فرضت الأمم المتحدة عقوبات خانقة عقب غزو صدام حسين للكويت. على مدى سبع سنوات فقط، انخفض دخل الفرد في العراق إلى 450 دولارا من نحو 3500 دولار. ومع انهيار قيمة رواتبهم، لم يتمكن المسؤولون الحكوميون من البقاء على قيد الحياة دون تلقي الرشاوى، التي أصبحت عملة الحياة اليومية. وازداد التعفن سوءاً بعد غزو عام 2003، عندما بدأ الضباط الأميركيون في تسليم كُتل من فئة 100 دولار في محاولة لكسب الأصدقاء والبدء بتشغيل الإقتصاد. ربما كانوا يعنون جيداً ماذا يريدون أن يفعلوا، لكن تسرعهم الأخرق كان كارثياً. لقد اصطفت مجموعة جديدة من الانتهازيين، بمن فيهم المنفيون العراقيون العائدون، للحصول على عقود حكومية كبيرة. المليارات فُـقِـدَت واتسع نطاق السرقة بعد الطفرة النفطية في 2008، وذلك بفضل شبكة من القلة التي مكّنها رئيس الوزراء نوري كامل المالكي.

عندما اندفع تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى شمال غرب العراق في منتصف عام 2014، كانت القوات العراقية التي نهضت للدفاع عنه تضم رسمياً 350,000 شخص، أكبر بكثير من الألوية الجهادية المهاجمة. وفي الواقع، تم إقتلاع الجيش بواسطة مخطط “الجندي الشبح” الذي يدفع الرشوة مقابل بقائه بعيداً، حيث دفع القادة مئات، بل الآلاف، من الرواتب. هذه الممارسات، دمَّرت الروح المعنوية داخل الجيش وغذَّت الغضب الشعبي بين المدنيين في الموصل، الذين أصبحوا أكثر تقبلاً لداعش مما كان ينبغي أن يكونوا عليه، لولا ذلك. وقد وجد مسح حديث للسكان في منطقة الموصل، أجرته ”مبادرة هارفارد الإنسانية”، أنهم يرون في الفساد سبباً رئيسياً لظهور داعش.

إن وزن التكلفة الكاملة لما سُرق من العراق ليس بالأمر السهل. الصفقات تُبرم نقدًا، ومن الصعب الحصول على الوثائق، وغالبًا ما تكون إحصاءات الحكومة غير موثوقة. مع ذلك، تشير المعلومات المتاحة إلى أنه ربما العراق قد أُستُـنْـزِفَـت من ثروته الوطنية بشكل غير المشروع في الخارج أكثر من أي دولة أخرى. قام رجل دولة عراقي كبير السن لديه خبرة طويلة في مجال التمويل مؤخراً بتجميع تقديرات سرية للمجلس الأطلسي Atlantic Council، وهو مركز أبحاث أميركي، مستنداً إلى محادثات مع مصرفيين ومحققين واتصالات مع مجموعة متنوعة من البلدان الأجنبية. خلص إلى أن العراقيين في الخارج لديهم ما بين 125 و 150 مليار دولار، معظمها “تم الحصول عليه بشكل غير شرعي”. وأشار إلى أن التقديرات الأخرى تبلغ 300 مليار دولار. وقدر أن نحو 10 مليارات دولار من الأموال المسروقة تستثمر في العقارات في لندن وحدها. ومن شأن الحساب الكامل أن يمتد إلى ما وراء الفاتورة المالية إلى الضرر الذي لحق بثقافة العراق ومجتمعه – وهي النقطة التي كثيراً ما سمعت العراقيين الأكبر سناً يُثيرونها بحزن شديد خلال السنوات التي عشت فيها هناك.

قد تبدو الحياة السياسية العراقية وكأنها حرب عصابات للغرباء، لكن في معظم الأيام يخفي سطحها المضطرب أعمال نهب هادئة ومبهجة. في كل وزارة حكومية، يتم تخصيص أكبر الغنائم باتفاق غير مكتوب لصالح هذا الفصيل أو ذاك. الصدريون لديهم وزارة الصحة، ومنظمة بدر لديها منذ فترة طويلة وزارة الداخلية، ووزارة النفط تابعة لتيار الحكمة. يواجه القادمون الجدد في بعض الأحيان صعوبة في التكيّف مع هذا الوضع. وقد اكتشف أحد الوزراء السابقين في الحكومة – وهو تكنوقراطي أمضى عقوداً من السنين في الخارج – لدى وصوله إلى منصبه، أن وزارته كانت تَـشتري لقاحات بعقد قيمته 92 مليون دولار. وجد طريقة أخرى لشراء نفس اللقاحات بأقل من 15 مليون دولار. قال لي: “بمجرد أن فعلت ذلك، واجهت قدراً كبيراً من المقاومة، وحملة شرسة ضدي. كانت أولويته هي معالجة الفجوة بين ثروة العراق النفطية ونظامه الصحي المُدمر، الذي يفتقر إلى إمكانية الحصول على العديد من الأدوية الأساسية. بالنسبة لخصومه، فأن الأمر اللازم الوحيد هو تحقيق مصلحتهم ومصالح حزبهم. قرر الوزير في نهاية المطاف أن هاتين الفلسفتين لا يمكن التوفيق بينهما، واستقال. (شأنه شأن معظم الناس الذين تحدثت إليهم لإعداد هذه المقالة، تحدث هذا الوزير السابق بشرط ألا أستخدم اسمه. الفساد هو السكة الثالثة للسياسة العراقية: إذا مسسته يمكن أن يؤدي ذلك إلى قتلك أو مقتل أقاربك بسهولة).

الزعماء السياسيون الذين يترأسون هذا الكسب غير المشروع معروفون جيدا. بعضها حلفاء وثيقون للأميركان. وقد استخدمت عائلتا بارزاني وطالباني في كردستان سيطرتهما على عقود تلك المنطقة ومصرفها المركزي لتصبحا غنيتَـيْـن للغاية. ولا يزال المالكي وحلقته من المقربين الأقوياء يحومون في الأفق على الساحة السياسية العراقية. مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي الزِّئـبَـقي المتقلِّب، هو عَـرَّاب آخر اشتهر أتباعه بالمطالبة الشنيعة بالحصول على رشوة ضخمة. كان ينبغي أن يتلقى هذا النظام هزة في عام 2014، عندما أدت أعمال النهب التي قام بها الصدر مباشرة إلى شبه استيلاء داعش على البلاد. بدلاً من ذلك، كانت النتيجة الرئيسية هي ظهور سلالة جديدة من الطفيليات: الميليشيات التي ساعدت في هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، المعروفة بشكل جماعي باسم “الحشد الشعبي”. الحشد هو اتحاد كونفدرالي فضفاض من الجماعات المسلحة، بعضها موجود منذ عقود. في عام 2016، اعترف رئيس الوزراء حيدر العبادي بهم كجزء من قطاع الأمن في البلاد، وهم يحصلون الآن على رواتب منتظمة تماماً مثلما يحصل الجنود وضباط الشرطة.

من بين الأقوى كتائب حزب الله. وقد اتُهمت بشن هجوم على قاعدة جوية عراقية في كانون الأول/ديسمبر أسفر عن مقتل مقاول أميركي وأدى إلى اغتيال سليماني – راعيها النهائي – بعد أسبوع. على الرغم من مكانته البارزة، فأنها مُحاطة بالغموض. يقول مايكل نايتس، المحلل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي يتتبع المجموعة منذ تأسيسها: “نحن لا نعرف شيئاً تقريباً عن المجموعة. “إنها مثل الماسونيين. يمكنكَ أن تكون فيها وتكون في حركة أخرى في نفس الوقت”. لقد بنت إمبراطورية اقتصادية، جزئياً من خلال شق طريقها في الأعمال التجارية الشرعية والعقود الحكومية.

من بين الميليشيات الأقل شهرة وأكثر مشاريعها إثارة للإضطراب والمغامرة تصميمها التدريجي بالسيطرة على مطار بغداد. بدأ الأمر قبل عدة سنوات، عندما بدأت «كتائب حزب الله» وميليشيا أخرى مدعومة من إيران تُدعى “عصائب أهل الحق” في وضع العمال الموالين لهم خلسة في جميع أنحاء المطار، وفقاً لمسؤول كبير في المطار تحدثت إليه. وأضاف انهم تمكنوا أيضاً من حمل شركة G4S، وهي شركة بريطانية لديها عقد طويل الامد للامن في المطار، على توظيف أفرادهم. (لم ترد G4S على طلبات قدمتها للتعليق). نتيجة لذلك، أصبح لدى هاتين الميليشيتَيْن الآن إمكانية الوصول إلى جميع كاميرات المراقبة في المطار وإلى طريق محدود للوصول إلى ما يُـسمى الكيلومتر واحد الذي يربط المدارج بمحيط المطار، متجاوزاً الحواجز الأمنية، طبقاً لما قاله لي المسؤول. (عندما ضربت طائرة أميركية بدون طيار قاسم سليماني والوفد المرافق له في كانون الثاني/يناير، كانوا قد خرجوا لتوهم من هذا الطريق). قال لي المسؤول إن جهود الميليشيات أصبحت أكثر عدوانية قبل نحو عام، عندما إحتجز أعضاؤها مدير الطيران المدني في مطار بغداد تحت تهديد السلاح وأجبروه على توظيف رجل موالٍ لهم كنائب له. وفي أواخر تشرين الأول/أكتوبر، حصلت شركة وهمية تابعة لكتائب حزب الله على عقد مدته 12 عاماً في مطاري بغداد والبصرة، تبلغ قيمته عشرات الملايين من الدولارات سنوياً، على الرغم من أن الشركة – التي تحمل اسم ”شركة الخليج” – لم يكن عمرها سوى شهرين ولم يكن لديها الاعتماد أو الترخيص اللازم، ومُنع مؤسسها من دخول المطار. وقد تم إنهاء العقد منذ ذلك الحين، لكن الشركة التابعة لكتائب حزب الله التي استولت على مبنى كبار الشخصيات.V.I.P والفندق من حسين لاقيس لا تزال قائمة في مكانها.

مطار بغداد هو مجرد واحدة من البوابات الاقتصادية التي تسيطر عليها الميليشيات الآن. لقد استخدموا تهديد عناصر داعش لتثبيت أنفسهم على معظم الحدود البرية للبلاد. وقد هيمنت الميليشيات على الكثير من التجارة عبر الموانئ البحرية الجنوبية في العراق لأكثر من عقد من الزمان. في الواقع، الميليشيات تُـدير دولة ظل، حيث تفرض على المستوردين رسوماً أعلى مقابل تعجيل الإجراءات والتسليم. لديها لجان اقتصادية لها مكاتب في بغداد، حيث يمكن للشركات الخاصة عقد صفقات تتحايل بوقاحة على القنوات القانونية للدولة. قال لي مسؤول المطار: “على سبيل المثال، إذا كنتُ سأجلب 100 سيارة من دبي، فإذا قمت بالعملية القانونية قد يستغرق الأمر شهرين لإخلاء السيارات”. “إذا دفعت لـ ”كتائب حزب الله”، لِـنقُـل، ما بين 10 آلاف و15 ألف دولار، فقد يستغرق الأمر يومين فقط”.

تأتي الأموال النقدية التي غذَّت هبوط العراق إلى ”دولة اللصوص” في معظمها من مباني مجمع المصرف الإحتياطي الإتحادي الذي يخضع لحراسة مشددة في إيست روثرفورد بولاية نيو جيرسي. هناك، في كل شهر أو نحو ذلك، يتم تحميل شاحنة بأكثر من 10 أطنان من العملة الأميركية المُغلَّفة بالبلاستيك، وهي شحنة بقيمة مليار دولار إلى ملياري دولار. ثم يتم نقل الأموال إلى قاعدة للقوات الجوية ويتم نقلها جواً إلى بغداد. هذه الأموال تابعة للحكومة العراقية التي توجه عائدات مبيعاتها النفطية إلى حساب في المصرف الإحتياطي الإتحادي في نيويورك. هذا الترتيب غير العادي هو إرث للاحتلال الأميركي، عندما كانت أميركا تسيطر بشكل مباشر على الحكومة العراقية بعد الإحتلال وماليتها. ظلَّ هذا الترتيب قائماً لأنه يُناسب الجانبين: فالعراقيين يحصلون على إمكانية وصول سريعة وتفضيلية إلى الدولارات، وتحتفظ الولايات المتحدة بنفوذ هائل على الاقتصاد العراقي. ظاهرياً، شحنات الدولار الدورية هذه (جزء صغير من إجمالي عائدات النفط في البلاد) هي لتلبية احتياجات بيوت الصرافة والمستوردين العراقيين، الذين يحتاجون إلى نقد صعب. من الناحية العملية، شقَّ الكثير من هذه الدولارات طريقه إلى أيدي غاسلي الأموال والجماعات الإرهابية والحرس الثوري الإيراني، وذلك بفضل طقوس غير معروفة يديرها المصرف المركزي العراقي، وهو: “مزاد الدولار”.

وقد أطلق على مزاد الدولار اسم “نظام الصرف الصحي للفساد العراقي”، لكن نادراً ما تم الكتابة عن أعماله الداخلية. وقد غذَّت مخططات الاحتيال التي تدور حولها كل جانب من جوانب الحرب الأهلية السورية، بما في ذلك داعش. بذلت وزارة الخزانة الأميركية جهوداً جادة لإبعاد دولارات المزاد العلني عن أيدي داعش وإيران، لكنها غالباً ما غضت النظر عن أنواع أخرى من غسل الأموال. وقد وجد الإرهابيون مراراً وتكراراً شركات وأساليب جديدة لتمويه مشاركتهم في المزاد، وغالباً ما يكون ذلك بتواطؤ من مسؤولي المصرف المركزي أنفسهم.

اسم المزاد مُضلِّل، إنه عملية يومية يُـقدِّم فيها المصرف المركزي العراقي الدولارات لعدد محدود من المصارف التجارية في البلاد مقابل دنانير عراقية. لقد أنشأتها سلطات الإحتلال الأميركي هذه العملية في عام 2003 لخدمة غرضين: جمع ما يكفي من الدنانير لدفع الرواتب نقداً لأسطول العراق الضخم من الموظفين الحكوميين ومساعدة البلاد على دفع ثمن الواردات التي تشتد الحاجة إليها بالدولار. والمزاد، من حيث المبدأ، مماثل للعملية التي تستخدمها بعض البلدان الأخرى لتيسير التجارة الخارجية. كان القصد أن تعمل هذه الآلية على النحو التالي: شركـة تـُـعتزم استيراد أحذية من الهند، على سبيل المثال، ستذهب إلى مصرفها العراقي المحلي بفاتورة من شركة الأحذية الهندية. يصادق المصرف المحلي على الصفقة ويودع المبلغ المطلوب بالدينار العراقي لدى المصرف المركزي الذي سيصرف الدولارات إلى حساب مراسل تابع، ظاهريا، للجهة المُـصدِّرة.

بدأت المشكلة بمدٍ متضخم من الأموال القذرة: العراقيون الذين سرقوا مبالغ كبيرة من خلال عقود احتيالية أو رشوة كانوا متعطشين لمقايضة دنانيرهم مقابل الدولارات، حتى يتمكنوا من استخدامها في الخارج. ولتلبية هذه الحاجة، بدأت فئة جديدة من الإنتهازيين بتسجيل شركات وهمية واختلاق الفواتير المطلوبة لمحاكاة صفقة استيراد، التي سيتم تمويلها بعد ذلك عن طريق مزاد الدولار. في غضون أيام، سيكون بمقدور أي شخص إحتال على بلده بملايين أن يصبح صاحب بيت في مدينة لندن. ولم تترك الواردات الزائفة أثراً يذكر، لأنها موثقة ببطاقات هوية وصور لأشخاص حقيقيين، يوافقون على لعب دور مسؤولي الشركة مقابل رشوة.

في كل مرة تشتبه فيها السلطات في المصرف المركزي العراقي أو المصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، كان المحتالون يُروّهون في لعبتهم بما يتفق. قال لي مصرفي عراقي سابق، وهو أحد العديد من الممولين والمسؤولين الحكوميين السابقين الذين يعرفون المخطط: “كانت هناك مكاتب صغيرة تنتج التزييف بمظهر مهني”. “ثم يطبخون الملف كله طبقاً للتزييف”. ولتجنب دفع الضرائب على الواردات الزائفة، كان غاسلو الأموال يسجلون عشرات الشركات ويتخلون عنها ويخلقون أخرى جديدة كلما استحقت ضرائبهم. لقد أشركوا سلطات الحدود، ودفعوا للمسؤولين لتقديم تصاريح مزيفة مع طوابع واقعية المظهر. وفي نهاية المطاف، استحوذ غاسلو الأموال على جزء كبير من مبيعات المصرف المركزي اليومية بالدولار، التي بلغ مجموعها، وفقاً لأرقام المصرف المركزي نفسه، أكثر من 500 مليار دولار منذ عام 2003. (هذا الرقم أعلى بكثير من عدد الدولارات الفعلية التي تم نقلها جواً إلى العراق من المصرف الاحتياطي الإتحادي، لأن معظم الدولارات التي يبيعها المصرف المركزي العراقي هي تحويلات إلكترونية من عائدات النفط العراقي).

كان الاحتيال واضحاً بشكل مثير للضحك في بعض الأحيان. في عام 2017، استورد العراق رسمياً ما قيمته 1.66 مليار دولار من الطماطم من إيران – أي أكثر من ألف ضعف المبلغ الذي استورده في عام 2016. كما أُدرِجَت واردات بقيمة 2.86 مليار دولار من البطيخ من إيران، بعد أن كانت 16 مليون دولار في العام السابق. هذه الكميات ستكون مثيرة للسخرية حتى لو لم يزرع العراق كميات كبيرة من الطماطم والبطيخ. قال لي خبراء اقتصاديون إن أرقام الاستيراد الرسمية هذه – التي لا تزال ظاهرة على موقع وزارة التخطيط العراقية على الإنترنت – تبدو وكأنها غطاء تنكري غير مقنع لغسيل الأموال عبر مزاد الدولار.

كما مكَّن المزاد من تنفيذ مخطط اختلاس واسع النطاق ضخ مليارات الدولارات لسماسرة السلطة في العراق. استند هذا الاحتيال إلى الفرق بين سعر الصرف الثابت الذي يقدمه المصرف المركزي – المرتبط بالدولار – وتقلب سعر السوق، الذي غالبا ما يكون أعلى بكثير. بعد وقت قصير من بدء المزاد في عام 2003، أدرك غاسلو الأموال أنه إذا كان بإمكانهم إبرام صفقة استيراد وهمية، يمكنهم بعد ذلك إعادة بيع الدولارات التي حصلوا عليها من المصرف المركزي، وتحقيق أرباح فورية على انتشار سعر الفائدة. ما أن أدرك الرؤساء السياسيون في العراق حجم الأموال التي يتعين الحصول عليها، حتى سيطروا على الدخول إلى المزاد. فقد تم تقليص الشركات العادية والمصارف التي ترغب في القيام باستيرادات أو إقراض مشروعة من قبل الشركات التي تدعمها الأحزاب السياسية الرئيسية والميليشيات. لإخفاء هذا الاستحواذ، إشترى الأثرياء الجُدد الذين تم سكّهم حديثاً ما يقرب من جميع المصارف التجارية المتبقية، وتحويلها إلى مجرد عربات ناقلة لمخطط المزاد.

من المستحيل أن نقول بالضبط كم عدد المليارات التي سُرقت من خلال فروقات أسعار الصرف، لكن العديد من المصرفيين السابقين والمسؤولين العراقيين قالوا لي إن هذا النوع من الاحتيال يمثل معظم الواردات الظاهرية الممولة من مزاد الدولار منذ حوالي عام 2008. تقديري الخاص، استنادا إلى أرقام من موقع المصرف المركزي ومعلومات من المصرفيين العراقيين والمسؤولين الماليين، فأن نحو 20 مليار دولار من فروقات العملة، كلها سرقت من الشعب العراقي. إن رجال الأعمال الذين يديرون المخطط يطبعون أموالهم الخاصة، لأن تكاليفها مقارنة مع – دفع فواتير مزيفة ورشوة المسؤولين في المصارف والحكومة – منخفضة. بعض المصارف التي تحقق أرباحاً هائلة من المزاد ليست أكثر من واجهات، مع مكاتب فرعية متهالكة ونادراً ما يكون هناك أي موظف في هذه المكاتب. إشترى أحد المصارف 4 مليارات دولار في المزاد، طبقاً لما قال لي عضو في البرلمان حقق في قضايا فساد، وهو ما يعادل ربحًا قدره 200 مليون دولار. وقال عضو البرلمان “لقد تحققنا بشأن هذا المصرف، وأتضح أن لديه غرفة واحدة، وحاسوب واحد، وبعض الحراس”.

لا يقتصر الضرر الذي تسبب فيه الاحتيال في المزاد على الأرباح غير المشروعة. ومع تحول المصارف التجارية العراقية إلى أدوات للتحكيم، تُركت الأعمال التجارية العادية دون الحصول على القروض التي تحتاجها للنمو. واضطر بعض المستوردين الشرعيين، غير القادرين على الحصول على الدولارات من المزاد، إلى استخدام مصارف أجنبية. من الصعب معرفة مدى الضرر الذي لحق بالاقتصاد، لكن جميع المحللين الذين تحدثت إليهم قالوا إنه كان مدمراً، مما أدى إلى تجويع القطاع الخاص في البلاد وجعل العراق أكثر اعتماداً على عائداته النفطية التي إنخفضت إلى النصف في الأشهر الأخيرة.

لم يبذل سوى زعيم عراقي واحد جهودا جادة لكشف الجرائم المحيطة بالمزاد بالدولار، وكان بطلا غير متوقع. قاد أحمد الجلبي، المصرفي والسياسي الذي ساعد إدارة بوش في تبرير غزوها للعراق، تحقيقاً برلمانياً في مزاد الدولار بدءاً من عام 2014. وكشف عن وثائق تورط فيها بعض أكبر المصارف في البلاد وأصحابها في عمليات احتيال واسعة النطاق. ولما كان من المتوقع أن يكشف المزيد عن الفضيحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، توفي الجلبي بنوبة قلبية. (على الرغم من التوقيت المشبوه، لم يجد التشريح أي دليل على وجود جريمة أو حادث مدبر). ولم يُعان المصرفيون الذين حددهم في تحقيقاته من عواقب ولا يزالون يعملون.

المزاد مستمر حتى يومنا هذا، وكذلك غسيل الأموال والسرقة التي تحيط به. في بعض الأيام من منتصف آذار/مارس، سجل موقع المصرف المركزي على شبكة الإنترنت مبيعات بالدولار تجاوزت 200 مليون دولار – أكثر من مليار دولار في أسبوع عمل واحد – وكلها يفترض أنها ستُدفع ثمن الواردات. في ذلك الوقت، كان وباء فيروس كورونا يُغلق الاقتصاد العراقي. بعض هذه الواردات قد تكون مشروعة، لكن المصرفيين الذين تحدثت إليهم قالوا إن الأرقام تشير إلى استمرار غسل الأموال على نطاق واسع. من العلامات الصارخة الأخرى على الاحتيال إجمالي الدولارات اليومية التي يبيعها المصرف المركزي إلى دور الصرافة العراقية، التي من المفترض أن يستخدمها العراقيون المسافرون إلى الخارج فقط. في منتصف تموز/يوليو، كان متوسط هذه المبيعات لا يزال يبلغ 10 ملايين دولار إلى 11 مليون دولار يوميا، على الرغم من إغلاق مطار بغداد في فترة ما بين آذار/مارس و 23 تموز/يوليو، ولا تزال القيود المفروضة على السفر قائمة. هناك أيضا أدلة على أن المزاد لا يزال يوفر أموالاً للجماعات الإرهابية. في أكتوبر/تشرين الأول، أصدر المصرف الاحتياطي الإتحادي في نيويورك رسالة إلى المصرف المركزي العراقي يطالبه فيها بمنع مصرفَين إثنين ودار صرافة من استخدام مزاد الدولار، مشيراً إلى أن لديه سبباً للاعتقاد بأن الكيانات الثلاثة “تابعة أو منغمسة في تعاملات مادية مع” داعش أو جماعة لها صلات به. الكيانات الثلاثة يملكها ممول يُدعى حسن ناصر جعفر اللامي المعروف أيضا في الاوساط المالية العراقية بانه “ملك الفواتير المزيفة”. في كانون الثاني/يناير، أجرى موظف في المصرف المركزي العراقي مقابلة مع محطة تلفزيونية لبنانية إدعى فيها أن اللامي لا يزال يستخدم المزاد، من خلال مصارف أخرى غير تلك التي ذكرها المصرف الاحتياطي الإتحادي الأميركي.

في بعض الحالات، يبدو أن المصرف المركزي قد تحايل عمداً على الجهود التي يبذلها المصرف الاحتياطي الإتحادي أو وزارة الخزانة الأميركية. في عام 2018، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على آراس حبيب كريم، وهو شخصية سياسية مُكلَّفة بتحويل الأموال إلى الحرس الثوري وحركة «حزب الله» اللبنانية. كما فرضت عقوبات على المصرف الذي كان يديره، المعروف باسم ”مصرف البلاد الإسلامي”. لكن بدلاً من تجميد أصول آراس حبيب كريم، وجه المصرف المركزي العراقي في تشرين الأول/أكتوبر بإعادة 40 مليون سهم في ”مصرف البلاد الإسلامي” الذي يملكه آراس حبيب كريم وعائلته، وفقاً لوثيقة المصرف المركزي التي حصلتُ عليها. عندما سألت مسؤولي وزارة الخزانة عن الإجراء الذي اتخذته المصرف المركزي العراقي، قدموا بياناً معلّباً [جاهزاً]: “تواصل وزارة الخزانة العمل بشكل وثيق مع الحكومة العراقية بشأن الإمتثال للعقوبات الأميركية”.

حالة العراق حكاية تحذيرية لبقية العالم، توضح مدى السرعة التي يمكن بها لأضعف أشكال الفساد أن تصطاد كيان البلدان، ومدى صعوبة عكس مسار تلك العملية. لا يستغرق غبار التواطؤ وقتاً طويلاً ليغطي كل شخص تقريباً، مثلما حدث في أفغانستان أو الصومال أو فنزويلا. يقول ريتشارد ميسيك، الذي أمضى عقوداً في دراسة هذا الموضوع، وهو المساهم الأول في مدونة مؤثرة تراقب الجهود العالمية لمكافحة الفساد: “لا يمكنك التدخل في مجال واحد فقط، لأنهم جميعا مرتبطون معاً، لذلك عليك تغيير مؤسسات متعددة في ذات الوقت.” ومن الصعب القيام بذلك دون قوة خارجية قوية. كانت الحكومة الأميركية ضرورية في إجتثاث الكسب غير المشروع المستفحل في شيكاغو الذي بلغ ذروته خلال العشرينيات، عندما كان رجل العصابات آل كابوني على جدول رواتب عمدة المدينة. هناك سوابق قليلة لتنظيف دولة بأكملها في العصر الحديث، باستثناء دولة استبدادية واحدة مثل سنغافورة، حيث قام رئيس الوزراء السابق لي كوان يو بعملية قمع صارمة في ستينيات القرن العشرين.

إن أكبر عقبة أمام الإصلاح في العراق هي اعتماد البلاد الساحق على النقد، الذي يصعب تعقبه وبالتالي يصبح أكثر عرضة لغسل الأموال. إن نقل المزيد من العراقيين إلى النظام المصرفي، حيث تترك المدفوعات رقما قياسيا يمكن التحقق منه، كان الهدف الوحيد لدعاة مكافحة الفساد في البلاد لسنوات. لكن التحول بعيداً عن النقد محفوف بالمخاطر في حد ذاته: فالتقنيات الجديدة معرضة للاختراق من قِبَل القلة، الذين يمكنهم تحويلها إلى أدوات أكثر فعالية لغسل الأموال.

أحد أكثر مخططات الاختلاسات في العراق وقاحةً يقدم مثالاً شبه كامل لهذا الخطر. هو ينطوي على استخدام جهاز يسمى ”بطاقة كِي Qi Card” الذي كان يهدف إلى نقل البلاد نحو المدفوعات الإلكترونية. تسمح هذه البطاقة، التي تم تطويرها من قبل شركة تسمى ”إنترناشونا سمارت كارد”، للموظفين الحكوميين والمتقاعدين باستلام مدفوعاتهم الشهرية نقداً في أيٍ من آلاف المحطات في جميع أنحاء البلاد. إنه ابتكار شائع: قبل أن تأتي ”بطاقة كِي” في عام 2007، كان على العمال في كثير من الأحيان الانتظار لساعات خارج أحد المصارف الحكومية للحصول على أموالهم. تتنافس الشركة الآن مع شركات بطاقات أخرى أصغر حجماً وتعلن على لوحات إعلانية ضخمة تحمل شعار ”إنضم إلى أكبر أسرة”. وهي تقدم نفسها على أنها شركة تقنية محلية تساعد في إدخال العراق إلى عصر المعلومات، مع صور على موقعها الإلكتروني لعمليات التسجيل بالبصمة الإحيائية والعملاء السعداء الذين يقومون بمدفوعات بدون نقد. لكن ارتباطها بكشوف رواتب الدولة أعطاها قوة هائلة. في عام 2019، ووفقا لتقرير صادر عن المصرف المركزي، دفعت الحكومة ما يقرب من 47.5 مليار دولار لموظفيها والمتقاعدين – وهو مبلغ ضخم لبلد بحجم العراق – ذهب الكثير من ذلك من خلال ”بطاقة كِي”.

هذا يزيد من الشكوك أن الشركة يبدو أنها تعمل دون رقابة تقريباً، وفقاً للمسؤولين الذين تحدثتُ إليهم والوثائق التي حصلتُ عليها من وزارة المالية العراقية والمصرف المركزي. لقد تجنبت هذه الشركة الشرط القانوني المتمثل في دمج نظامها للدفع مع الشبكة الوطنية لدفع البطاقات. ومن شأن هذا أن يسمح للمصرف المركزي بمراقبة معاملاتها. تصف الوثائق الجهود المحبطة التي بُذلت لجعل بطاقة كِي مسؤولة عن معاملاتها، الى جانب شكاوى من المتقاعدين العراقيين الذين يقولون ان بطاقة كِي أُستخدمت فى سحب رواتبهم. (قال الرئيس التنفيذي لشركة ”كِي كارد”، الذي تم التوصل إليه عبر البريد الإلكتروني، إن الشركة تمتثل لجميع اللوائح ذات الصلة، وأن معاملاتها تخضع لمراقبة مباشرة من قبل المصرف المركزي، بالإضافة إلى مراجعة حساباتها دورياً من قبل شركات مستقلة).

تحت هذا التعتيم على البيانات، يتم استخدام بطاقة كِي من قبل شخصيات الميليشيات المدعومة من إيران الذين يديرون مخططاً واسع النطاق ”للموظفين الأشباح” لسرقة مئات الملايين من الدولارات من جدول رواتب الدولة، طبقاً لما قاله لي العديد من المسؤولين الحكوميين، بمن فيهم أحد المقربين من المكتب المالي للحشد. قال لي هذا المسؤول إن الحشد قد سجل حوالي 70,000 جندي خيالي للدفعات الإلكترونية عبر بطاقة كِي. (لم يكن من الواضح ما إذا كان هذا قد تم بعلم مديري بطاقة كِي أو بدون علمهم). لقد كان لـ ”الجنود الأشباح” خطة إثراء ذاتي موحدة للضباط رفيعي المستوى في الجيش العراقي وقوات الشرطة لسنوات، لكن يبدو أن ”كِي كارد” سمح بنقل هذه الحيلة إلى مستوى أعلى. يبلغ متوسط راتب عضو الحشد نحو 1000 دولار شهرياً، مما يضع عائدات المخطط الإحتيالي هذا بأكثر من 800 مليون دولار سنوياً. قال لي المسؤول إن هذه العملية تمت في سرية تامة من قبل شخصيات قوية لها علاقات عميقة مع إيران، بما في ذلك أبو مهدي المهندس، زعيم الميليشيا الذي اغتيل في كانون الثاني/يناير مع قاسم سليماني. كما تُـحقق بطاقة كِي أرباحاً هائلة من الرسوم التي تفرضها على المعاملات الإلكترونية. قال لي مسؤول عراقي رفيع المستوى آخر إن بعض هذه الأرباح يتقاسمها مع شخصيات قيادية أخرى تدعمها إيران.

قال لي المسؤول العراقي الرفيع: يبدو أن مؤسس ”كِي كارد”، وهو رجل أعمال يدعى بهاء عبد الهادي، قد عزل نفسه عن التدقيق والنقد لسنوات من خلال إقامة علاقات تجارية مع أقوى الناس في العراق، بمن فيهم قادة الميليشيات الذين تربطهم علاقات وثيقة بإيران. أحدهم هو عمار الحكيم، رجل الدين الشيعي البارز والثري والشخصية السياسية. الشخص الآخر هو شبل الزيدي، الأمين العام لميليشيا تدعى كتائب الإمام علي، الذي أصدرت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات ضده في عام 2018 بسبب تعامله المالي مع الحرس الثوري وحزب الله. أما حلقة الربط الثالثة فهي ناصر الشمري، وهو زعيم جماعة أخرى مدعومة من إيران تدعى «حزب الله النجباء». (قالت لي متحدثة باسم شركة “كِي كارد” إن عبد الهادي لا علاقة له مع الحكيم أو الزيدي أو الشمري).

في الوقت نفسه، بذلت شركة ”كِي كارد” جهوداً لِـتُـحَـبِّـب نفسها للمسؤولين الأميركيين، ويبدو أن بعضها قد أتى ثماره. في أوائل عام 2018، اقترح ماكس بريموراك، المُعيَّن السياسي الجديد لترامب، على وكالة تابعة للأمم المتحدة أن تستخدم بطاقة كِي للمعاملات، وفقا لتقرير نشرته ”بروبوبليكا ProPublica” في أيار/مايو. في ذلك الوقت، كان بريموراك يقوم بأعمال استشاريةلصالح شركة “ماركيز Markez”، وهي شركة أميركية عراقية استأجرتها شركة ”كِي كارد”. لم تستأجر الأمم المتحدة بطاقة كِي، لكن عرض بريموراك أثارَ شكوى أخلاقية من مسؤول في وزارة الخارجية، حسبما ذكرت بروبوبليكا. (عندما سُئِلَ عن الشكوى، رد بريموراك بتقديم مذكرة تشير إلى عدم فتح تحقيق). ثم أصبح بريموراك مساعداً لنائب الرئيس مايك بنس.

إن اقتحام شركة ”كِي كارد” لصناعة النفوذ الأميركية هي تذكير بأن الفساد يمكن أن يشمل أكثر بكثير من المكافآت الخام والملاذات الضريبية الاستوائية. لقد ساعدت الأزمة المالية العالمية في 2008، التي كشفت عن روابط بغيضة بين السياسيين والمضاربين، في تغذية الحركات الشعبوية التي لا تزال تعصف بأوروبا وانتخاب دونالد ترامب، الذي جعل من الفساد وصفاً يليق بحياتنا السياسية الخاصة حتى وهو يقذف الكلمة عشوائياً إلى خصومه.

في فترة ما بعد ظهيرة دافئة في شباط/فبراير، سُقتُ السيارة إلى موقع بناء في شرق بغداد يدعى صدر القناة. وهو شريط ضيق من الأراضي الشاغرة يمتد لمسافة 15 ميلاً بين جانبين من طريق سريع رئيسي على الحافة الغربية من حي مدينة الصدر الفقيرة، مع قناة في الوسط. كانت سلطات مدينة بغداد قد تحدثت لسنوات عن مشروع طموح لتحويل الممر إلى منطقة واسعة للاستمتاع في الهواء الطلق، تشمل ملاعب رياضية وحدائق ومطاعم وملاعب. جسور مزخرفة كانت ستُبنى عبر القناة، حيث يركب الزوار القوارب ذهابا وإيابا. في 2011، وقَّعت سلطات المدينة عقداً مع ثلاث شركات بناء بمبلغ 148 مليون دولار.

اليوم الموقع هو مَكب كئيب للنفايات دون أن يُنفق أي شيء عليه. بعد الخروج من جهة الطريق السريع على العشب، وجدت قدَمَي مغطاة في طين سميكة من القمامة البلاستيكية. مشيتُ صعوداً وهبوطاً لمدة 20 دقيقة أو نحو ذلك، ولم أجد سوى عدد قليل من علامات البناء: ملاعب رخيصة للأطفال تجمع الغبار عليها، واثنين من المخابئ الخرسانية غير مكتملة. في القناة التي تم رصفها بالخرسانة، بدا الماءُ راكداً نتناً.

يبدو أن لا أحد يعرفُ بالضبط ما حدث للأموال التي ألقيت على صدر القناة، لكن تقريراً صادراً عن لجنة النزاهة العراقية يرن بحزن عن ملاحظات مألوفة: التأخير والخلافات ومحافظ سابق فر مع أحد نوابه من البلاد بعد “التسبب في أضرار متعمدة بأكثر من 12 مليون دولار”، يفترض أن معظمها انتهى في جيبه. هناك مشاريع مثل هذه في جميع أنحاء العراق. رافعات مهجورة تصدأ أمام مساجد نصف مبنية ومشاريع الإسكان. كثير منها مقيَّد في نزاعات قانونية وسياسية. أُنفِقَت مليارات الدولارات على الكهرباء، مع ذلك لا يزال التيار الكهربائي يتعطل في العراق لمدة تصل إلى 20 ساعة في اليوم.

العراقيون لديهم كلمة عن رجال الأعمال المشبوهين وسماسرة السلطة الذين يَثرون بشكل فاحش على حساب بلدهم: ”حيتان”. ويقال على نطاق واسع أنهم فوق القانون. لقد تم تحذيري مراراً وتكراراً، أثناء إعداد هذا المقال، أن حياتي ستكون في خطر كبير إذا واجهت أي شخص منهم بشأن أنشطته غير المشروعة. لكنني تمكنتُ في نهاية المطاف من التحدث إلى حوت.

كان قطباً في البناء العراقي قال لي إنه أمضى سنوات في دفع رواتب السياسيين للحصول على عقود تقدر بملايين الدولارات. ووصف العمل بأنه عالمٌ من الصفقات الساخرة في الغرف الخلفية حيث تكون المنافسات القاتلة شائعة، وتتغير التحالفات السياسية بسهولة، والعملة النهائية هي “النقد، دائماً بالدولار، ودائماً مقدماً”. كان من الواضح أنه قد قَبِلَ الرشوة والكسب غير المشروع كأنه واقعه اليومي، لم أشعر بأي قلق أو ذنب حيال ذلك. كان لديه مكاتب ومنازل في بلدان متعددة، لكنه تحدث باللهجة العراقية بصوت أجش لرجل بدون كثير من التعليم الرسمي. تم تقديمي إليه عن طريق مسؤول حكومي قابله من خلال صديق. كان من المستحيل بالنسبة لي التحقق من تفاصيل القصص التي قالها. لكنها تتفق مع كل ما سمعته من المطلعين الحكوميين والمصرفيين حول الطريقة التي يعمل بها هذا الفساد الرفيع المستوى. تحدثنا عبر الهاتف لمدة ساعتين تقريباً. أخبرني عن صفقة واحدة أدارها، وهو مشروع إنشائي كبير خصصت له الحكومة نحو 40 مليار دينار (حوالي 33.6 مليون دولار).

قال “في الواقع أنفقت حوالي 10 مليارات دينار فقط على البناء”. من بين ما بقيَ، ذهب معظمه إلى سداد رواتب المسؤولين الحكوميين والحزبيين، إلى جانب نفقات أخرى. أما الباقي، أي نحو خمسة مليارات دينار (4.2 مليون دولار)، فقد كان ربحاً خالصاً.

قال لي إنه على مدى السنوات الست أو السبع الماضية، تم انتخاب محافظي المحافظات العراقية – الذين يتمتعون بسلطة كبيرة على العقود – بشكل حصري تقريباً من خلال صفقات مع رجال أعمال يسددون تكاليف مجلس المحافظة (الذي ينتخب المحافظ) مقابل حصة من عقود المحافظة. وقال ”إن أي شخص لديه أموال يمكنه التلاعب بهذه الاشياء”. وقد تم بناء هذه الصفقات بشكل متقن، حيث يقسم نواب المحافظين الموالين لمختلف الأحزاب السياسية العائدات المتوقعة من العقود المُضخَّمة. وقال إن عقداً واحداً كبيراً يمكن أن يوفر رشاوى كافية لتغطية تكاليف الرشوة لانتخاب المحافظ.

المسؤولون الحكوميون ليسوا مجرد متلقين سلبيين للرشاوى. قال لي إن أعضاء مجلس المحافظة ”يطرقون أبواب رجال الأعمال ويقولون: كيف يمكننا تقديم المساعدة؟ هل لديك شخص تريد تلويث سمعته؟ هل هناك مؤامرة تريد الترويج لها، شخص تريد إحالته إلى لجنة النزاهة”؟ هذه الفنون المظلمة تتجاوز الولاء الحزبي. المال هو كل ما يهم. قال “إذا أردت التآمر على حزب الدعوة، فإن أعضاء مجلس المحافظة من ذلك الحزب سيتعاونون معكم” إذا دفعتم لهم.

وقال لي إن وراء كل هذه الصفقات، تتربص الميليشيات، وتوفر العضلات وتأخذ قطعتها من النقود. وأضاف أن ”أي رجل أعمال أو أي صاحب مصرف بدون مجموعة مسلحة تدعمه لن يتمكن من العمل”.

لا شيء من هذا يُشكل مفاجأة للعراقيين. لقد أصبحوا متشائمين لدرجة أنهم يرونَ الآن حتى مختلف هيئات مكافحة الفساد في البلاد على أنها أدوات للابتزاز والرشاوى. للأسف، هذه ليست تهمة لا أساس لها من الصحة تماماً. عندما كنت في بغداد، ذهبتُ لرؤية مشعان الجبوري، رجل الأعمال والسياسي الذي اشتهر بالنواح ضد الكسب غير المشروع. مشعان الجبوري رجل كبير يبلغ 63 عاماً لديه رأس وعر التضاريس وأصلع وعيون جاحظة أصبح نوعاً من التميمة الجالبة للحظ في صراع بلاده مع الفساد. لقد كان على كل جانب من ذلك. كان رجل أعمال في الثمانينيات وفرَّ من البلاد في نهاية العقد للانضمام إلى المعارضة. في عام 2006، اضطر الجبوري إلى الفرار من العراق مرة أخرى بعد اتهامه بمخطط ابتزاز مُحكَم يشمل شن هجمات على خطوط أنابيب النفط. وقد عاد، وانتُخِب عضواً في البرلمان وانضم إلى لجنته المعنية بمكافحة الفساد.

قال مشعان الجبوري لي ونحن نجلس في منزل كهفي نصف مفروش يملكه في حي الحارثية: “الجميع متورط، المتدين، العلماني، في القرى، في المدن، من كبار القادة إلى الحمالين”. ”الفساد أصبح ثقافة. إنه شيء يفخَر به الناس”.

في 2016، تصدر مشعان الجبوري عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم من خلال إخبار مراسل من صحيفة الغارديان بأنه هو أيضاً فاسد. كان قد أخذ رشوة قدرها 5 ملايين دولار من رجل أراده أن يُسقط تحقيقاً في الإحتيال. وقال للصحيفة “على الاقل انا صادق في هذا الموضوع”.

عندما رأيته في شباط/فبراير 2020، تراجع الجبوري عن اعترافه، مدعياً أنه اخترع قصة الرشوة البالغة 5 ملايين دولار. لقد نظرت إليه في عدم التصديق. لقد كان يحدق في الخلف. قال: “كنت بحاجة إلى هزّ المجتمع. وأضاف أن مثل هذه الأكاذيب لم تعد ضرورية الآن. والاحتجاجات الحالية تفعل ذلك”.

إلى أولئك الذين يشاهدون من قارة أخرى، مظاهرات الشوارع التي استولت على المدن العراقية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بدت وكأنها إنفجار مفاجئ للغضب. الواقع أن هذا الغضب كان يغلي منذ سنوات في المدن والبلدات في جميع أنحاء البلاد. كان أحد قادة الاحتجاج الذين التقيتهم شاب قصير بشكل مربوع يبلغ من العمر 28 عاماً ويدعى موسى، نشأ في عائلة زراعية فقيرة في السماوة، وهي مدينة في جنوب العراق. (طلب مني عدم استخدام اسم عائلته لأنه لا يزال مختبئاً ويخشى من العواقب). على غرار العديد من الآخرين الذين تحدثت إليهم، تحدث موسى مراراً وتكراراً ضد قسوة إقتصاد العصابات العراقي، حيث المؤهلات الحقيقية غالباً ما تكون غير ذات صلة، إذ تأتي معظم عروض العمل بسعر مقدم باهظ، أي ما يعادل راتب عدة أشهر. بعد أن قضى خمس سنوات في الدراسة للحصول على درجة متقدمة في العلوم البيطرية، لم يتمكن من العثور إلا على وظيفة بيطرية واحدة – عقد لمدة سنة واحدة براتب 200 دولار في الشهر – لكنه تم فصله من الوظيفة بعد أن رفض عرض رئيسه للانضمام إلى إحدى الميليشيات. لم يكن أمامه خيار سوى الحصول على وظيفة في وزارة الكهرباء في مدينته، التي دفعت له 375 دولاراً شهرياً.

بدأ تمرده قبل أكثر من عامين، عندما، حسبما قال لي، وجد وثائق تشير إلى أن مديراً إقليمياً في وزارة الكهرباء أصبح غنياً من خلال الحصول على رشاوى على العقود الحكومية. ساعد موسى في تنظيم إحتجاجات تطالب بطرد رئيسه. (تم فصل الرئيس في وقت لاحق، طبقاً لما قاله لي موسى). خلال العام التالي، بدأ في التواصل مع شباب آخرين في جميع أنحاء العراق ممن مروا بتجارب مماثلة وشاركوا مشاعره. إعتقد العديد منهم أن بلادهم أصبحت تابعة لإيران ولسفاحيها المحليين الذين يحملون السلاح. بحلول صيف عام 2019، كانت مجموعات فضفاضة من شبكات الاحتجاج المحلية تلتف حول شيء أكبر. كان موسى من بين المنظمين الذين دعوا الى تمرد وطنى إعتبارا من الاول من تشرين الأول/أكتوبر.

بعد أسبوع بالكاد، وجد نفسه جالساً على أريكة مقابل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي. خارج الأبواب الخشبية العالية للوزارة، كانت البلاد مشتعلة. وقد قُتل أكثر من 100 شخص في إشتباكات فوضوية مع الشرطة، والاقتصاد في حالة جمود. كان عبد المهدي يائساً من استعادة النظام، ودعا موسى وثمانية آخرين من قادة الاحتجاج لسماع صوتهم. سلَّمه موسى ورقة توضح مطالب المتظاهرين، التي قرأها بسرعة، في صمت. كان التعامل مع الفساد واحداً منها. بعد تبادل قصير، قال أحد مستشاري عبد المهدي: “أعطونا قائمة بالأشخاص الأكثر فساداً”.

قال لي موسى، ولديه طريقة صبورة وعيون كبيرة وجادة، أصِبتُ بحيرة وغضب من الطلب. كان يعلم بالفعل أنه مطلوب للقبض عليه من قبل أجهزة الأمن، وبعد ذلك بوقت قصير، سيُجبَر على الاختباء، مثل العديد من قادة الاحتجاجات الآخرين. كما كان يعلم أن بعض الشخصيات الأكثر فساداً في البلاد قد تم الترحيب بها على الأرجح على تلك الأريكة نفسها. “هذا ليس عملنا، هذا هو عملكَ”، أجاب موسى. توترت الأجواء، وانفصل الاجتماع بعد 10 دقائق فقط. أعلن رئيس الوزراء بعد فترة وجيزة أن حركة الاحتجاج كانت بلا قيادة. وربما قيل الشيء نفسه عن حكومة عبد المهدي المتعثرة. بعد أقل من شهرين، وفي مواجهة تمردات أوسع وارتفاع في عدد القتلى، أعلن عبد المهدي إستقالته.

عمق وغضب حركة الاحتجاج فَـاجَـآ الجميع. كانت الميليشيات في موقف دفاعي للمرة الأولى منذ سنوات، حيث سخر منها بعض المتظاهرين باعتبارها عناصر إيرانية. حتى بعض أعضاء الحشد شاركوا. وصف لي أحدهم مكالمة هاتفية متوترة قال فيها لرئيسه السابق: “هذه ثورة ضدك”. في كانون الأول/ديسمبر، أقر البرلمان العراقي قانوناً تاريخياً يسمح للجنة النزاهة في البلاد بالتحقق من دخل الموظف العمومي مقابل ما يملك من أموال وأصول وفرض غرامات كبيرة أو حتى السجن إذا لم يتمكن من إظهار مصدر شرعي لأمواله. وكان هناك طلب جديد على المساءلة يتسرب إلى جميع أنواع الأماكن غير المتوقعة. في بغداد، التقيت بمحامية شابة تدعى مَروة عبد الرضا، التي أخرجت هاتفها المحمول وعرضت لي وثائق عن فضيحة غريبة قليلاً في نقابة المحامين العراقيين، التي قدمت نفقات مبالغ فيها للغاية لبناء حوض سباحة. كان قد تم الكشف عن الاحتيال قبل يوم واحد فقط، قبل أن يُتاح لأي من المحامين فرصة إرتداء ثوب السباحة. قالت “في الماضي، كان هناك الكثير من الإنفاق المُبالغ به ولا شكاوى. “الآن، المحامون يتحدثون بصراحة”.

وقد ساعدت روح حركة الاحتجاج التي لا هوادة فيها على إبقائها حيَّة – على الأقل حتى إندلاع الوباء – لكنها حدت أيضا من أثره. ومع مرور الأشهر، رفض المتظاهرون بإصرار ترشيح أي شخص للمنصب. وبدا أنهم عالقون في حلقة مفرغة على النمط العراقي: أرادوا تغيير النظام، لكن أي شخص مسَّ هذا النظام، حتى نيابة عنهم، أصبح مشتبهاً به على الفور. كان رفاقهم الشهداء هم أبطالهم الوحيدون، الذين تظهر وجوههم في الكتابة على الجدران والملصقات في جميع أنحاء ساحات الاحتجاج.

في قلب حركة الاحتجاج في العراق هو النضال من أجل تغيير تاريخ البلاد المعذب. يدرك الكثيرون من جيل الشباب أن العراق – شأنه شأن العديد من المستعمرات السابقة في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا – قد رفع في كثير من الأحيان من رجاله العسكريين ورجال الدين إلى مرتبة الآلهة، ليشاهدهم سرعان ما يتحولون إلى وحوش. هذا هو أحد الأسباب التي دفعت المحتجين إلى رفض تفويض أي زعيم لتمثيلهم. هم يعرفون أن ما يهم الآن هو العمل البطيء غير المبهرج لبناء المؤسسات، وليس مداهنة المنقذين. لكنهم أيضاً متعطشون لشخصيات عامة مثيرة للإعجاب. مثل أي شخص آخر، يريدون أن يكونوا ملهمين ويقودون.

ظهر أحد القادة في وقت مبكر من الاحتجاجات، يبدو أنه مناسب خاصة وهو مناهض لدور البطل. هو عبد الوهاب الساعدي أحد كبار مسؤولي مكافحة الإرهاب في العراق. هو محبوب في جميع أنحاء البلاد ليس فقط بسبب سجله العسكري – فقد قاد سلسلة من المعارك الحاسمة ضد داعش – ولكن أيضاً لأنه، وحده تقريبًا بين الضباط العراقيين، غير حزبي بعزم ويقال إنه لم يتلق رشوة أبدًا. في أيلول/سبتمبر الماضي، همَّشه رئيس الوزراء العراقي بفظاظة. سرعان ما تمسكَ به المتظاهرون باعتباره شهيداً سياسياً تم إبعاده لأنه لم يلعب اللعبة (كان هذا صحيحاً جزئياً، على الرغم من أن المنافسات بين الفصائل لعبت دوراً أيضاً). بدأ المتظاهرون يحملون ملصقات عليها وجهه ويهتفون باسمه. وطالب البعض بترشيح الساعدي خلفا لعبد المهدي في منصب رئيس الوزراء. ردَّ السعدي على هذه المبادرات بطريقة مميزة. قال أنه رجل عسكري غير مؤهل لمنصب سياسي. أصيب بعض المتظاهرين بخيبة أمل، لكن آخرين كانوا سعداء، حيث نظروا إلى تخليه عن منصبه على أنه وسام شرف.

سعدي طويل القامة، حليق الذقن، بعمر 57 عاما، يوحي بالرصانة ذو شعر رمادي. على الرغم من أنه شيعي، إلا أن سكان الموصل – ذات الأغلبية السنية – يوقرونه كمحرر من وباء داعش، وفي العام الماضي أقيم تمثال له هناك. (قامت الحكومة، التي يبدو أنها هُدِّدَت بهذه اللفتة، بإزالة التمثال قبل أن يتم إزاحة الستار عنه). عندما قابلته في شباط/فبراير، بدا الساعدي مسروراً بشكل معتدل بالاهتمام الذي كان يحظى به. أخبرني عن سلسلة من مكالمات هاتفية تلقاها من أوزان سياسية ثقيلة، كلها تأمل في تجنيده أو الحصول على تأييده. قال رافضا هذه الدعوات وهو يسحب نفساً من سيجارة إن “رئيس الوزراء يريد توظيفي للحصول على قبول من الرأي العام”.

بدا الساعدي غير مرتاح للتحدث عن نفسه. لديه نوع من التواضع الصارم، في كثير من الأحيان يديه محشورة في جيبَيه، ونظرة ثابتة في البعد كما لو كان يُقيِّم بهدوء مناورة ميدانية. بالنسبة لأي شخص إعتاد على أخلاق معظم الشخصيات السياسية العراقية المهمة، يشكِّل الساعدي تناقضاً غريباً إلى حد ما. حيث أن أغلب السياسيين في كثير من الأحيان ممتلئ الجسم وثرثارين، فإنه نحيل ومتواضع. أغلبهم يملكون منازل في مدينة لندن وعمان، إلا إنه يعيش في شقة في بغداد. ليس لدي دليل على أن الساعدي لم يأخذ رشوة أبداً لكن هناك الكثير من الناس في العراق الذين يحبون إحراجه، ولم تظهر أي أدلة مساومة. هو غير فاسد لدرجة أنه عندما انضم إبنه إلى الجيش، رفض استخدام منصبه الخاص لمساعدة الصبي بأي شكل من الأشكال – وهو مستوى من النزاهة الشخصية اعتبره بعض زملائه غير طبيعي. عندما سألته عن هذا الأمر، قال لي إن والده توفي شاباً، وأن شقيقه الأكبر أُعدم على يد صدام حسين. وكان قد أُجبر على شق طريقه الخاص، وشعر أن ذلك أنقذه من التراخي الذي أصاب الجيش. أراد نفس الشيء لإبنه. قال لي الساعدي: “قلت له: “عليكَ أن تعتمدَ على نفسك، لا علاقة لي بذلك”. “لم أساعده أبداً في الرتبة والإجازات والامتيازات”.

في إحدى أماسي الجمعة، التقيت بالساعدي في مقهى يدعى رضا علوان، في حي من الطبقة المتوسطة مفعم بالحيوية. جلسنا على طاولة في الهواء الطلق، تحيط بها نكهات من القهوة والهيل والتبغ. لديه سلوك شديد بالكتمان وقلة الكلام، لكن بدا أنه يرتاح قليلاً ونحن ندردش حول السياسة والتاريخ، مع انقطاعات متكررة من الزبائن الذين أرادوا مصافحة أو صورة سيلفي مع بطل الموصل. ألزمهم الساعدي جميعاً بابتسامة خجولة، وعندما سألوه عما إذا كان سيلعب دوراً في الحكومة الجديدة، كان يلوح لهم بـ “إن شاء الله” وهو تعبير خالٍ من الإلتزام. (بعد اجتماعنا، أعاده رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي، وقام بترقيته).

بعد ذلك حاولنا مغادرة المقهى. بمجرد أن وقف، تعرَّفَ عليه تقريباً الناس في الشارع، وكان محاطاً بحشد كثيف من المعجبين. توقف بصبر لأخذ صور سيلفي مع آخرين وتصافح. تباطأت السيارات للحصول على نظرة. ”أنظروا، إنه الساعدي!” سمعت شخصاً يصرخ. بدأت امرأة في إطلاق الهلاهل. حراسه كانوا يبدون متوترين لكن لم يكن هناك شيء يمكنهم فعله. الجميع أراد قضاء لحظة معه.

بعد 15 دقيقة، كان لا يزال على بعد بضعة أقدام فقط من المقهى، وكان الشارع غير سالك. بدأ رجل في منتصف العمر في ارتجال أغنية قافية عن الساعدي ودوره في إنقاذ العراق من داعش. صفق المتفرجون فوراً، سعداء، والتقطوا الصور. ركض سائق سيارة أجرة شاب في جلباب أسود، ودفع طريقه وسط الحشد وبدأ يقول للساعدي إن شقيقه قُتل في ساحة الاحتجاج في بغداد. وشكر الساعدي على كل ما فعله ثم عاد للسماح للمشجعين الآخرين بالدخول. سار جندي يرتدي خوذة وسترة واقية من الرصاص وبدأ يناشد الساعدي أن يصبح وزير الدفاع القادم. بعد ذلك إندفع ضابط شرطة قائلاً: “نريده وزيراً للداخلية”.

وأنا واقفٌ في الظلام، تأثرت برؤية تلك الوجوه المتلهفة والمتأملة. كل ما يطلبونه حظي بها كثير منا بما فيه الكفاية. هي أمورٌ مفروغ منها، على الأقل في الوقت الراهن: بيروقراطية صادقة نسبيا، وشوارع نظيفة، وضباط شرطة لا يطلبون الرشاوى. إنهم يريدون وطناً.

ــــــــــــــــــــــ

روبرت ف. وورث هو كاتب مساهم في الصحيفة التي فاز كتابها عن الانتفاضات العربية عام 2011، “الغضب من أجل النظام”، بجائزة ليونيل غيلبر لعام 2017. مقره حالياً في الأردن، وقد غطى الصراعات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في كوسوفو والعراق وأفغانستان.

رابط المقال باللغة الإنكليزية

شبكة البصرة

السبت 11 ذو الحجة 1441 / 1 آب 2020

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فق

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب