أمريكا وايران. توقعوا الأسوأ
شبكة البصرة
السيد زهره
على نحو ما عرضنا في المقال السابق، أصبح تقدير الإدارة الأمريكية أن ايران لم تعد تشكل خطرا على المصالح الأمريكية في المنطقة في الوقت الحاضر. يأتي هذا وسط تقارير تتحدث عن تغير الموقف الأمريكي تجاه النظام الإيراني.
كيف نفهم هذا الجدل ونقيم هذه التطورات من وجهة نظر المصلحة العربية؟.
على الرغم من أن القضية تبدو خطيرة، وعلى الرغم من كل التحليلات والتفسيرات للموقف الأمريكي واحتمالات تغيره اوتغيره فعلا من ايران، الحقيقة ان المسألة بالنسبة للدول العربية بسيطة وواضحة جدا. بالطبع نحن نعني بالذات دول الخليج العربية المعنية في المقام الأول بمواجهة الخطر الإيراني.
القضية بالنسبة للدول العربية ببساطة انها يجب أن تبني حساباتها على توقع الأسوأ. الأسوأ بالنسبة لنا بالطبع ومن وجهة نظر المصلحة العربية.
والأسوا هو أن يحدث تغير جذري في الموقف الأمريكي من النظام الإيراني ومن التقدير الأمريكي لخطر هذا النظام. هو أن تدخل الإدارة الأمريكية في مفاوضات، سرية او علنية لا يهم، مع النظام الإيراني للتوصل الى اتفاقات جديدة، وأن يتم التوصل فعلا الى هذه الاتفاقات. وأي اتفاق امريكي إيراني سيكون حتما على حساب الدول العربية ومصالحها.
لماذا على الدول العربية ان تتوقع الأسوأ بهذا المعنى؟
الأسباب كثيرة، وسبق ان تحدثنا عنها في مقالات سابقة وحذرنا منها، لكنها تتلخص في أمر جوهري واحد هو ان تفكير الإدارة الأمريكية، والرئيس ترامب شخصيا بالذات، في طبيعة قضايا المنطقة وتحدياتها والمواقف الأمريكية المفروضة تقود الى هذا. تقود الى عدم استبعاد أسوأ الاحتمالات.
وبقدر أكبر من التفصيل علينا ان نتأمل جيدا الجوانب الثلاثة التالية:
أولا: ان الرئيس ترامب كما هو معروف يحكمه مبدأ ” أمريكا أولا”. وترجمة هذا المبدأ فيما يتعلق بالموقف الأمريكي من قضايا المنطقة والسياسات التي تتبعها بالنسبة لإيران و غيرها، فان ترامب لا يعنيه الا تحقيق المصلحة الأمريكية المباشرة. اذا تحققت هذه المصلحة بالتحالف مع دول الخليج العربية كان بها، واذا اقتضت المصلحة التحول والاتفاق مع ايران، كان بها أيضا.
الموضوع بالنسبة لترامب هو بهذه البساطة وبهذا الوضوح.
بعبارة أخرى، حين يفكر ترامب في موقف أو في تغيير هذا الموقف، فالمعيار الحاكم بالنسبة له هو مصلحة أمريكا كما يراها ويقدرها هو بالطبع.
بعبارة ثانية، ترامب لا يفكر كثيرا ولا يعنيه كثيرا اذا كان الموقف الذي يراه في مصلحة دول الخليج العربية أم لا.
ثانيا: أنه من المعروف ان ترامب لا يكن تقديرا ولا احتراما كبيرا لدول الخليج العربية إلا بقدر الأموال التي يحصل عليها منها.
بعبارة أخرى حدود وقوف ترامب بجانب دول الخليج العربية ودفاعه عنها تقاس وتتحدد بمعيار مقدار ما يحصل عليه من أموال فقط وليس أي اعتبار آخر.
بعبارة ثانية، ترامب لا يضع اعتبارا لمسألة ان هناك تحالفا استراتيجيا قائما منذ عقود بين دول الخليج العربية وامريكا وان هذا التحالف يفرض على أمريكا التزامات معينة.
ترامب نفسه قال هذا الكلام علنا مرات عدة.
ثالثا: من المعروف ان ترامب يتحرق شوقا للتفاوض مع ايران وللتوصل الى اتفاق جديد معها.
نعرف ان ترامب قال عشرات المرات انه ينتظر موافقة الإيرانيين على التفاوض معه للتوصل الى اتفاق. وهو في الحقيقة يعتبر ان هذا لو حدث فسيمثل إنجازا كبيرا له. ولهذا ليس لنا ان نستغرب أبدا اذا عرفنا ان قنوات تفاوض سرية موجودة حاليا بالفعل بين أمريكا وايران، أو ان يجري هذا التفاوض في أي وقت في المستقبل.
اذا تأملنا هذه الجوانب الثلاثة مجتمعة، فسوف نكتشف ببساطة ان دول الخليج العربية يجب الا تشغل بالها كثيرا بالجدل الدائر حاليا حول، هل تغير موقف الإدارة الأمريكية من ايران أم لا، ولا بالتفسيرات والتقديرات المختلفة التي يقدمها المحللون بهذا الصدد.
اذا كانت دول الخليج العربية حريصة على مصالحها، وعلى مواجهة العدوان الإيراني، فانها يجب ان تبني حساباتها على ان هذا التغير في الموقف الأمريكي حادث فعلا، أو أنه من الممكن ان يحدث في أي وقت مستقبلا.
بالمناسبة، حين نتحدث عن رؤى ومواقف الرئيس ترامب على هذا النحو، فنحن لا نقول هذا على سبيل الانتقاد. هو يتخذ المواقف ويتبع السياسات التي يرى انها تحقق المصلحة الوطنية لبلاده، وهذا حقه وواجبه.
المهم ان نفعل نحن نفس الشيء، أي أن نتخذ المواقف ونتبع السياسات التي تحقق مصالح بلادنا بشكل مستقل عن أمريكا او غيرها.
شبكة البصرة
الثلاثاء 19 رمضان 1441 / 12 آيار 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


