| خطورة أن تكون الفكرة أصيلة !!! |
| شبكة ذي قار |
| الدكتور خضير المرشدي |
|
|
| عندما يؤمن الإنسان العربي بأن القومية العربية قد خُلِقَت من جديد في ظل ثورة الاسلام ، وتم إعادة بنائها على أسس فكرية وثقافية وأخلاقية ومادية ومعنوية ونفسية جديدة لم يألفها العرب من قبل . بعثت فيها الروح بعد أن كانت جامدة متيبّسة ، وترسخ فيها الايمان بعد أن كانت منفصلة عن الاتصال بالسماء على الأقل في جزيرة العرب ، توحّدت نظرتها للخلق والكون والانسان والحياة ، أخذت بفضل الاسلام بعدها الحضاري والانساني وغادرت عصبيتها وإنغلاقها ، تغذّتْ بقيم الحق والعدل والانصاف والمحبة والمودة والتسامح والإحسان ، وتسلّحت بعناصر الثورة والانقلاب المعنوي والروحي على النفس وعلى واقع قبلي متنازع متناحر ومجزّأ .
عندما يكون العربي بهذا المستوى من الايمان ، مهما كان دينه ومذهبه ، فإنه يجد نفسه أمام مهمة معنوية معقدة تتمثل في مدى قدرته على تجسيد هذه القيم في شخصيته وسلوكه وعلاقته مع الاخرين وأداء مسؤولياته في الحياة من جانب ، ومن جانب آخر يجد نفسه أمام تحدٍ أكبر هو حجم الضريبة التي يتوجب عليه أن يدفعها نتيجة هذا الايمان ، والتضحية التي يتوجب عليه أن يتحملّها نتيجة التمسك بهذه القيم التي تعبر عن هويته وانتمائه وعقيدته ومبادئه واهدافه المتمثلة في ( القومية العربية التحررية الانسانية المؤمنة ) ، التي تحت لوائها توحّد العرب وأمسكوا بمصيرهم وإنتصرت إرادتهم وتحققت رسالتهم عندما أقاموا الدولة وأشادوا الحضارة التي فاضت بخيرها وشعّت بعلومها وأفكارها وكانت مصدر الهام لغيرها من الامم والشعوب . فعندما يأتي ( البعث ) بعد أكثر من ( ١٤) قرناً ليبني فكره وعقيدته الوطنية والقومية الاشتراكية على وفق هذه القيم الانسانية المستمدة من روح التراث ، والملبية لطموحات العصر ، والمستوعبة لمتطلبات التطور والتقدم الحديث ، ويضع مشروعه لتحقيق أهداف الأمة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والبناء الاشتراكي الهادف لإظهار الطاقات والامكانات الكامنة لدى الشباب على مبدأ الانبعاث لهذا النوع من العروبة … لابد أن يحرك ذلك القوى المضادة لهذه الفكرة والتي لم تتوان عن أي فعل لإسقاطها وتدمير المشروع مادياً بصيغة الاحتلال ، ومعنوياً بصيغة الاجتثاث والإفقار والإفساد والتجهيل ، تماماً مثلما فعلت القوى المعادية السائدة من قبل وأسقطت الدولة العربية والاسلامية آنذاك ، ناهيك عن العوامل الداخلية التي هيئت البيئة لهذا السقوط عبر كل مرحلة من مراحل الحكم إنتهاءً بسقوط بغداد على أيدي المغول عام ١٢٥٨م ، والتي تمثلت بمثلث ( الظلم والفساد والاستبداد ) . فمن يراجع تاريخ نشأة البعث والكتابات الأولى لمؤسسه الاستاذ ميشيل عفلق رحمه الله ، يجد هذه الحقيقة بوضوح ، هي إن البعث كفكرة إرتكز على مبدأ إنبعاث هذا النوع من العروبة أو القومية العربية التحررية الانسانية الثائرة ، وبنى عقيدته الوطنية والقومية الاشتراكية ووضع دستوره ونظامه على ماترشّح عنها من قيم . لذا فإن الحزب الذي جاء لبعث هذا الطراز من العروبة ، وآمن بأنها عقيدة وفكر وهوية وإنتماء وحب وقدر ومصير ومشروع للنهضة ومهماز للحضارة ، وإنها مصدر القوة ومبرر الوجود ودافع الإستمرار ، ويناضل لتحقيق رسالتها ، لابد وأن يتعرض لهذا القدر الهائل من العداء والاستهداف والتشويش ، ولهذه القسوة المفرطة من الأذى والاصرار على الاجتثاث والاقصاء والاسئصال . وإن من أهداف قوى الاحتلال والرِّدة الآن هو أن يتخلّى البعث عن هذه الفكرة الحية وعن هذه الأصالة ، وأن يقطع الصِّلة بهذا النوع من العروبة ، ويتحوّل إلى حزب تقليدي كغيره من الاحزاب السائدة يقدم ويتبنى برامج سياسية وإقتصادية وإجتماعية وترفيهية وغيرها فقط ، وأن يهادن وينسجم مع واقع متراجع متخاذل متآمر متخلف ومْزرٍ . ونرى أن جهات داخلية وعربية واقليمية ودولية تبحث عن نوع آخر من ( البعث والبعثيين ) مختلفين مع أنفسهم ، متناقضين مع الفكرة بوصفها المعروف ، ويعمل هؤلاء جاهدين لخلق مجاميع أو تشجيع أشخاص تحت عناوين شتى لضرب البعث وإضعافه ومحاولة إنهائه . مما يجعلنا أن ندرك ( خطورة ) أن يكون البعث بهذا العمق من الايمان ، وأن تكون القوى الداخلية والخارجية التي تخاف هذا النوع من البعث وهذا الطراز من العروبة بهذا الحجم من العداء وهذا المستوى من التصعيد المضاد والاستئصال ، وأن نعلم أن طريق البعث وعر وشاق يتطلب إيجاد الوسائل الحديثة والمتجددة والمؤثرة في إدارة الصراع ، وأن نعلم إنها معركة من نوع خاص ، إجتمع فيها ما هو مادي مع ما هو معرفي ومعنوي ونفسي وأخلاقي ، إنها معركة لعودة الروح والكرامة ، ولإنتشال الأخلاق وتعزيز القيم الوطنية والقومية والانسانية ، معركة إنقاذ وطن ونهضة أمة ، إنه سِفرٌ طويل ، لكنه ليس مستحيلاً ، شرط التمسك بالفكرة الاصيلة التي هي الضمانة لتحقيق مشروع الإنقاذ والبناء والنهضة . |
| الجمعة ٢٦ جمادي الاولى ١٤٤٠ هـ ۞۞۞ الموافق ٠١ / شبــاط / ٢٠١٩ م |


